خليل الصفدي

161

أعيان العصر وأعوان النصر

من نثره ، ولم أره يخطب بغير الخطب النباتية . وكان جيد المشاركة أشعري العقيدة شافعي « 1 » المذهب يحب الكتب ، ويبالغ في تحصيلها ، ويحرص على المنافسة فيها ، ولكنه كان مقلا من الدنيا ماله غير علومه . قال : ما أعرف أنه وجبت علي الزكاة في عمري . رأيته بعد ما مات رحمه اللّه في المنام بمدة فقمت إليه ، وقبضت على يده بعد ما قمت إليه ، وصافحته ، وقلت له : قل لي ما الخبر فقال لي : لا تعتقد إلا وحدانيته فقلت له : هذا شيء قد جبل عليه اللحم ، والدم فقال : ولا بأس مع الفاتحة سورة أخرى من القرآن ، وقصيصات الناس فعلمت بذلك أنه قد نصحني حيا ، وميتا ، لأنه كان في حياته - رحمه اللّه تعالى - يتوقف في توقيعه ، ويتحرى ، ويتحرز كثيرا فيما يكتبه ، ولا يكتب إلا ما هو ، ولما توفي - رحمه اللّه تعالى - كنت في حلب فحصل لي بسببه ألم عظيم إلى الغاية ، وكتبت إلى ، ولده كمال الدين محمد « 2 » ، وإلى غيره من الأصحاب مراثي كثيرة نظما ، ونثرا ثم جمعت ذلك ، وسميته ساجعات الغصن الرطيب في مراثي نجم الدين الخطيب . ومما نظمته فيه قولي : ( البسيط ) يا ذاهبا عظمت فيه مصيباتي * بأسهم رشقت قلبي مصيبات قد كنت نجما بأفق الفضل ثمّ هوى * فاستوحشت منه آفاق السّماوات سبقت من بات يرجو قرب خالقه * ولم تزل قبلها سبّاق غايات بكى الغمام بدمع الودق مذ عقدت * حمائم البان من شجوى مناحات ولطم الرّعد خدّ السّحب ، وانتشرت * ذوائب البرق حمرا في الدّجنّات أصمّ نعيك سمعي من تحقّقه * وهان ما للّيالي من ملمّات جنحت فيه إلى تكذيب قائله * تعلّلا بالأماني المستحيلات وكدت أقضي ، ويا ليت الحمام قضى * حسبي بأن الأماني في المنيّات وراح دمعي يجاري فيك نطق فمي * فالشّان في عبراتي ، والعبارات إن أبدت الورق في أفنانها خطبا * فكم لوجدي ، وحزني من مقامات

--> ( 1 ) الشافعي هو : محمد بن إدريس الشافعي : وهو أحد الأئمة الأربعة : مالك بن أنس ، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت ، والإمام أحمد بن حنبل وكل واحد من هؤلاء الأربعة له مذهبه المستقى من أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . وبعضهم كان يأخذ بالرخصة والتسهيل والبعض الأخر كان يأخذ بالعزيمة . وصدق الرسول الكريم في قوله : « إن هذا الدين يسر ولا يشد أحد الدين إلا غلبه » . ( 2 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها .